صمـت الكاهــن
سرب من الحمام الأبيض يخرج من بين فخذيه صوب السماء مباشرة.. يتابع بناظريه طيران السرب بشكله المنتظم لكن تتملكه الدهشة حين يجد حمامة سوداء تنشق عن مسار السرب ثم تتجه نحو الشمس مباشرة تثقبها وتخرج من الناحية الأخرى ثم تهوى في مياه المحيط في حين يظل السرب يطير في مساره المعتاد.. يخشى أن يبوح بالسر لأحد وخاصة أب اعترافه فيكون مصيره "الشلح" وترك الكهنوت الذي عشقه منذ أن رُشم شماساً في السادسة من عمره على يد المطران الذي يخشى الآن أن يرسل له سؤالاً عن كيفية الخروج من الورطة التي سقط فيها لأنه يعلم تماماً أن المطران سوف يعرفه ويعرف حجم مأساته. في كل اجتماع للمطران مع كهنة المطرانية يحاول أن يبث في نفسه بعض الشجاعة لكنه يتراجع وهو يرى شفتي المطران وهي تنفتح وتنضم لكي تتلو قرار "شلح" جاء لتوه من البطريرك.. فضل السكوت وأثر الانسحاب من ذلك الضجيج الصاخب الذي يعتمل داخل صدره وعقله.. حاول أن ينس الأمر برمته فالعريس قد تزوج وانجب ومات أيضاً وهو بنفسه قاد صلاة الموتى عليه.. في الصباح سمع طرقات متتابعة وشديدة على الباب ظن أنها البُشرى التي يحملها له "معلم" الكنيسة لموافقة المطران على حصوله على رتبه "القمص" بدلاً من "القس" تلك الرتبة التي ظلت تلازمه منذ أن بدأ الخدمة في الكهنوت المقدس.. تبخر حلمه الطويل على سخونة كلمات ابنته الكبيرة التي هجرت منزل زوجها ولا تريد أن تعود إليه مرة أخرى فهذه ليست المرة الأولى التي يبعثر فيها زوجها كرامتها على أرضية الشارع الذي تسكن فيه وليست هذه المرة الأولى التي يعود فيها إلى المنزل تاركاً وعيه وقلبه وعقله مشتتين في الشوارع الكبيرة والصغيرة على حد سواء.. حقائبها الكثيرة.. أولادها الخمسة…أدخلت إليه إحساساً بأن هذه هي المرة الأخيرة التي تأتي فيها إلى منزل أبيها وأنها لن تعود إلى منزلها مرة أخرى، حتى هو نفسه سأم من كثرة توجيهاته وعظاته الخاصة التي كان يقولها لزوج ابنته في كل مرة غضب بينه وبينها. ترك ابنته في المنزل وذهب لكي يقود صلاة القداس فالدور اليوم عليه ويجب أن يكون في






















